المنشورات

Please update your Flash Player to view content.

عرف بنفسك

مختارات فيديو

أجندا

ديسمبر 2017
أ إث ث إر خ ج س
26 27 28 29 30 1 2
3 4 5 6 7 8 9
10 11 12 13 14 15 16
17 18 19 20 21 22 23
24 25 26 27 28 29 30
31 1 2 3 4 5 6

الوصول للمعهد

للوصول للمعهد الوطني للتراث انسخ المعطيات التالية ثم انقر عن بحث

04 place du château

Tunis

1008

Tunisie

استبيان

محتوى البوابة
 

الجرد الوطنـــيّ للتــــراث الثقـــافي اللامـــــادّي

يعدّ التراث الثقافي اللاّمادّي من أحدث المفاهيم المستخدمة في تصنيف التراث، ولئن كان لا يعدّ اكتشافا لحقل جديد من الإرث الثقافيّ، باعتبار ارتباطه بما كان يصطلح عليه ثقافة شعبية أو فولكلورا أو تراثا تقليديا أو فنونا وتقاليد شعبية، فإنّه ينطوي على مقاربة جديدة صيغت على أساس مناهضة النظرة الفلكلوريّة الكلاسيكيّة التي كثيرا ما تحوّل تعبيرات الثقافة الشعبيّة التقليديّة إلى مجرّد رواسب للماضيّ بفعل الحنين إليه أو الخضوع لسحره وسلطانه.

وباعتماد تعريف اليونسكو، يقصد بالتراث الثقافي اللاّمادّي "الممارسات والتصوّرات وأشكال التعبير والمعارف والمهارات - وما يرتبط بها من آلات وقطع ومصنوعات وأماكن ثقافيّة - التي تعتبرها الجماعات والمجموعات، وأحيانا الأفراد جزءا من تراثها الثقافي. وهذا التراث الثقافي غير المادّي المتوارث جيل عن جيل، تبدعه الجماعات والمجموعات من جديد بصورة مستمرّة بما يتّفق مع بيئتها وتفاعلاتها مع الطبيعة وتاريخها. وهو ينمّي لديها الإحساس بهويّتها والشعور بإستمراريتها ويعزّز من ثمّ احترام التنوّع الثقافي والقدرة الإبداعيّة البشريّة".

وبالتّالي فماهيّة التراث الثقافي اللاّمادّي لا تتحدّد بمحتوياته الإتنوغرافيّة ، بقدر ما تتعيّن بآليّات استمراره واستخدامه. فهو عبارة عن كيان في سيرورة لا تنقطع، لأنّه ملتصق بحملته من الذوات الجماعيّة الخاضعة لقانون التغيّر وفقا لمقتضيات الواقع.

إنّ لا ماديّة هذا الصنف من التراث لا تعني أنّه تجريدات مخياليّة أو في أفضل الأحوال حطام ثقافة آيلة إلى زوال، ذلك أنّه كثيرا ما يكون مشيّئا في أشكال ملموسة كالأطعمة والأزياء والحرف التقليدية، وإنّما يحمل روحا  ليست في جوهرها سوى روح الجماعة التي أنتجته وذاكرتها المشتركة التي آوته ومرّرته عبر الأجيال. على أنّ هذه الذاكرة لا ترتهن إلى الماضي، وإن استمدّت منه محتوياتها الرمزيّة، بل إنّها تعيد بناءه باستمرار بما يتوافق مع شروط الظرفيات التاريخيّة المندرجة فيها حاضرا ومستقلا.

ولئن حظي التراث الثقافي غير المادّي باهتمام متزايد في المحافل الدولية وفي البرامج التربوية والثقافية وفي سياسات الدول، فلأنّه لا يعبّر عن حقيقة مجرّدة جامدة بل عن هويّة معيشة فيما هو يوميّ ملموس كامن في الطعام واللغة والإيقاعات الموسيقية المفضلة والاحتفالات وفي الكثير من المهارات والمعارف والتقنيات الجسدية والحرفية والزراعية التي وصلتنا. وهذا كلّه يسكن في أذواقنا ومتخيّلنا ليدخل في تشكيل ما يسمّيه بعض علماء الأنثروبولوجيا "حساسيتنا الثقافية".  لذلك لا يمكن أن نتمثّله خارج إطار الحياة نفسها. وبالتّالي فإنّ حمايته وتثمينه لا يتحققان بمجرّد أرشفته وتوثيقه وتحويله إلى العروض المتحفية، وإنّما عبر استخدامه اليوميّ في كلّ مناحي الحياة باعتباره متنوّعا ومتحرّكا. حتى أنّ التراث الثقافي اللاّمادي كثيرا ما يوصف بأنّه حيّ.

يرى البعض أنّ الاستخدامات الجديدة  من شأنها إحداث تغييرات على عناصر التراث الثقافي اللامادي،ممّا يفقدها أصالتها. لكن في الحقيقة، ووفق نظرة أنثروبولوجيّة، لا وجود لنسخة أصليّة نقيّة لأي عنصر تراثي تقليديّ، بل ثمّة صيغ مختلفة تتعدّد بتعدّد الجماعات والسياقات. وهو ما تكشفه التشكيلات المختلفة المرتبطة مثلا بطبق الكسكسي وبخرجات الأولياء والزّوايا وبفنون الحياكة والتطريز وسائر معارف العمل التقليديّة وبأساليب الحكي والأداء والمأثورات الشفويّة. ولعلّ في تعدّد تمظهرات العنصر الواحد وتنوّعها تكمن إبداعيّة هذا التراث وحيويّته.

إنّ الجماعة هي المالكة الحقيقية لذاكرتها، و بالتالي فهي المعنية أساسا بإستراتيجية استخدام أو إعادة استخدام تراثها الثقافي اللاّمادي. لهذا فقد اشترطت اتفاقية حماية التراث الثقافي اللامادي التي وضعتها اليونسكو سنة 2003 وصادقت عليها بلادنا سنة 2006،  أن تكون الجماعة المعنية هي حجر الزّاوية في أيّة عملية لإعداد ملفّ حول عنصر تراثيّ لا مادّي ينتمي إليها سواء بغرض الترشّح للتسجيل في القائمة التمثيلية للتراث الثقافيّ اللاّمادي للإنسانيّة أو ضمن القائمة الخاصّة بالصون العاجل أو سجل أفضل تدابير الصّون. وتبعا لذلك، فإنّ المخزون الثقافيّ التقليديّ منظورا إليه من خلال مفهوم التراث الثقافي اللاّمادي، يتعذّر صونه بعيدا عن حملته الحقيقيين من الجماعات والمجموعات والأفراد. وهو ما يستوجب خلق ديناميكية مجتمعيّة يتداخل فيها المحلّي بما هو وطنيّ والرسميّ بما هو أهليّ جمعياتيّ، بحيث يصبح أي عنصر من هذا التراث موضوع استخدام واسع، فتساهم منظمات المجتمع المدنيّ والهيئات الرسميّة الممثّلة للدولة في صونه عبر إجراءات و برامج مختلفة دون وصاية أو اختزال.

ولئن كانت سلسلة تدابير الصّون من أهمّ مقوّمات ديمومة التراث الثقافي اللامادّي، فإنّ أولى حلقاتها هي عمليّة الجرد التي ينبغي أن تتناول العنصر في سياق ممارسته الأنثروبولوجية، أي من خلال الجماعة أو المجموعة المرتبطة به بحسب ما تعيشه من تحوّلات. فالأمر يتعلّق بضرب من الجرد التشاركيّ الذي يتحقّق على قاعدة التعاون بين الباحثين والخبراء والمختصّين في المجال من جهة، والمجتمع المحلّي ممثّلا في تشكيلاته المختلفة من جهة أخرى. وهو في الآن نفسه جرد ديناميكيّ يستدعي التحيين باستمرار، بما يتطابق مع طبيعة هذا التراث المفعمة بالحركة والحياة.

ضمن هذا السياق المفاهيميّ والمنهجيّ العام، واستجابة لما يمليه علينا واجب صون التراث الثقافي اللامادّي ببلادنا، ليس فقط من باب الوفاء للذّاكرة، وإنّما أيضا من منطلق استثمارها في تأكيد الهويّة وإدراجها في التنمية المستدامة، أطلق هذا المشروع، مشروع الجرد الوطنيّ للتّراث الثقافي اللاّمادّي بتونس الّذي ، وإن تأخّر إنجازه، فإنّ الأعمال الميدانيّة، بحثا وتوثيقا، المتوفّرة حول الموضوع هائلة وعريقة. وهي تمنح معطيات ثمينة من شأنها تيسير تنفيذ الجرد.

ولقد تمّ اعتماد تصنيف سباعيّ لمجالات التراث الثقافي اللامادّي، فكانت على النّحو الآتي تفصيله :

1- التقاليد الشفويّة وأشكال التعبير الشفويّ بما في ذلك اللغة كواسطة للتعبير عن التراث الثقافيّ اللامادّي.

2- الفنون وتقاليد أداء العروض.

3- الممارسات الاجتماعيّة والطقوس والاحتفالات.

4- الثقافة الغذائية التقليدية.

5- الألعاب الشعبيّة التراثيّة.

6- المعارف والممارسات المتّصلة بالطّبيعة والكون.

7- المهارات المرتبطة بالحرف التقليديّة.

وبالمقارنة مع التصنيف الذي اقترحته اليونسكو، فقد تمّت إضافة صنفين هما الثقافة الغذائية التقليدية بكلّ ما تشتمل عليه من فنون مطبخيّة وآداب طعام، والألعاب التراثية التي باتت تثير الاهتمام بفضل انخراط عدة جمعيات في صونها. ولا تخفى أهميّة حضور هذين المجالين في المدوّنة التراثيّة اللاّمادية الخاصّة بالمجتمع التونسيّ.

لكن يبقى ذلك تقسيما منهجيّا ذا طابع إجرائيّ لا غير، إذ من المعلوم التداخل بين الأصناف وتوزّع العنصر الواحد، عند ممارسته، على أكثر من مجال تأكيدا لكليّة الظاهرة التراثيّة.

وعسى أن يسهم إطلاق مشروع الجرد، بغضّ النظر عن الظروف الحافّة به والهنات التي تعتريه، في تحريك السواعد والهمم للانخراط في جهد مجتمعيّ من أجل صون هذا الإرث الثقافيّ العظيم طاقة محفّزة للأجيال وذاكرة حيّة متوثّبة نحو الحاضر والمستقبل...

الإطلاع على بطاقات الجرد او تحميلها عبر الروابط التالية :

...

عــــــــماد صـــــولـــة

أستاذ بحوث/ أستاذ محاضر

في مجالي الأنثروبولوجيا والتراث الثقافي اللامادّي